2020 February 26 - 02 رجب 1441
دلالة آیة الثلاثین من سورة البقرة علی وجود الحجة و الخلیفة لله علی وجه الأرض الی یوم القیامة
رقم المطلب: ٣٠٤٣ تاریخ النشر: ١٤ ربیع الثانی ١٤٤١ - ١٢:٢٨ عدد المشاهدة: 62
المقالات » عام
دلالة آیة الثلاثین من سورة البقرة علی وجود الحجة و الخلیفة لله علی وجه الأرض الی یوم القیامة

اثبات استمرار نصب حجة الله بدلائل ادبية و روائية

مقدمة:

من أهم الآیات التی تبین ضرورة وجود حجة الله علی وجه الارض و رأی الشیعة فی وجود الامام المهدی عج، خلیفة و حجة لله، هی آیة الثلاثین من سورة البقرة. کثیر من المفسرین عند اهل السنة، اعترفوا باستعانة دلالة الکلمات و الالفاظ من هذه الآیة الشریفة و حسب الاصطلاح ظاهر هذه الآیة، علی استمرار الحجة و الخلیفة علی وجه الارض بید الله تعالی.

هذه المقالة بصدد دراسة دلالة هذه الآیة علی استمرار نصب و جعل حجة و خلیفة لله علی وجه الأرض، حسب قواعد و قوانین ادبیات العرب ثم ننقل تصریح بعض من کبار المفسرین عند الشیعة و اهل السنة، علی دلالة الآیة علی هذا المطلب.

دلالة الکلمات و الالفاظ من الآیة علی استمرار نصب و جعل الخلیفة لله الی یوم القیامة 

«وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ‏ فِي‏ الْأَرْضِ‏ خَليفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُون‏»   

الله تعالی یقول فی هذه الآیة الشریفة«انی جاعل فی الارض خلیفة». ففی هذه العبارة، استعمل کلمة «جاعل» التی حسب علم «النحو» هی اسم فاعل. هذا الاسم الفاعل استعمل هنا من دون الالف و اللام و عمل فی کلمة «خلیفة» و اِعرابها «النصب». حسب ادبیات العرب و تصریح علماء علم الصَرف و علم النحو، کلما یذکر اسم الفاعل من دون الالف و اللام و یعمل عمل النصب، یدل علی الاستمرار و بناء علی هذا الآیة الشریفة ایضا تدل علی الاستمرار و کما بینا، حسب هذه الفقرة من الآیة المبارکة، یجعل الله دائما و بشکل مستمر – من زمن خلقة آدم الی یوم القیامة – خلیفة فی الارض و ببیان آخر، لن تخلوا الارض الی یوم القیامة من الحجة و الامام و کل فترة لها امام زمان یختص بها. فی استمرار هذه الآیات، الله تعالی یتکلم فی اول مصداق لهذه الخلافة و خلیفة الله یعنی نبی آدم علی نبینا و آله و علیه السلام و بعده بقیة الأنبیاء و خلفائهم، مصداق لخلیفة­ الله.

آراء علمای الادب العربی فی هذا المطلب

فی الاستمرار نذکر بعض آراء النحویین الذین صرحوا بدلالة اسم الفاعل علی الاستمرار. اذا عرفت هذه القاعدة من القواعد العربیة، یتبین ظهور هذه الآیة علی المطالب السالفة.

هادی نهر، فی کتابه النحو التطبیقی وفقا لمقررات النحو العربی فی المعاهد و الجامعات العربی، یقول هکذا:

«و قد أكثر النحاة في الحديث عن سبب عمل اسم الفاعل في أنّ كلا منهما يدلّ على الحدوث و التجدد و الاستمرار زيادة على توافقهما في المعنى و اللفظ الذي أشار إليه النحاة.»

نهر، هادى، النحو التطبيقي وفقا لمقررات النحو العربي في المعاهد و الجامعات العربية، عالم الكتب الحديث، اربد - اردن، الطبعة: الاولی، ج 2، ص 897.

رأی رضی الدین الاسترآبادی

کذلک رضی الدين الاستر آبادي فی شرحه علی الکافیة، یقول فی دلالة اسم الفاعل و اسم المفعول علی الاستمرار هکذا:

«و أمّا اسما الفاعل و المفعول، فعملهما في مرفوع ... جائز مطلقا، سواء كانا بمعنى الماضي أو بمعنى الحال أو بمعنى الاستقبال أو لم يكونا لأحد الأزمنة، بل كانا للإطلاق المستفاد منه الاستمرار، نحو: زيد ضامر بطنه، و مسود وجهه، و مؤدّب خدّامه.»

رضى الدين الاستر آبادى، محمد بن حسن، شرح الرضي على الكافية، 4 مجلدات، موسسة الصادق للطباعه و النشر، طهران - ايران، الطبعة: الاولی، 1384 ه.ش، ج 2، ص 221.

کما تبین فیما ذکر، المرحوم الرضی یقول ان اسم الفاعل و المفعول لو ارادا عمل الرفع [اسم الذی یقع بعده یصیر فاعله]، یعملا هذا العمل بشکل مطلق و یرفعا معمولیهما سواء قید بأحد الأزمنة الثلاثة – الماضی أو الحال أو الإستقبال–، علی سبیل المثال یقال زید مسود وجهه امس أو زید مسود وجهه غدا، أو لم یقید بأحد الأزمنة الثلاثة بل یکون مطلقا و ایضا یدل علی الاستمرار؛ یعنی عند ما یقال زید مسود وجهه، یعنی زید دائما و بشکل مستمر وجهه أسود.

و لو ان اصل بحثه هنا، فی  عمل الرفع لاسم الفاعل و المفعول لکن الشاهد لمثالنا، هذه الفقرة الأخیرة من کلماته التی تبین ان اسم الفاعل لو لم یقید بأحد الأزمنة الثلاثة الماضی، الحال و الاستقبال، فهو مطلق و یستفاد منه الاستمرار.

اذا درسنا الآیة المذکورة، یتبین ان اسم الفاعل فی هذه الآیة لم یقید بأحد الأزمنة الثلاثة الماضی، الحال و الاستقبال، فالله تعالی لم یقول «انی جاعل فی الارض خلیفة الان»؛ بل قالها بشکل مطلق و بناء علی هذا الآیة تدل علی الاستمرار و تبین انه الی یوم القیامة و بشکل مستمر، الله تعالی جعل خلیفة فی الارض.

المرحوم الرضی فی موضع آخر یبحث عن عمل النصب لاسم الفاعل و هناک ایضا یصرح بهذا المطلب هکذا:

«و أمّا عمل اسمي الفاعل و المفعول، في المفعول به، و غيره من المعمولات الفعلية، فمحتاج إلى شرط، لكونها أجنبية؛ و هو مشابهتهما للفعل معنى، و وزنا، و يحصل هذا الشرط لهما، إذا كانا بمعنى الحال أو الاستقبال، أو الإطلاق المفيد للاستمرار

رضى الدين الاستر آبادى، محمد بن حسن، شرح الرضي على الكافية، 4 مجلد، موسسة الصادق للطباعه و النشر، طهران - ايران، الطبعة: الاولی، 1384 ه.ش، ج 2، ص 222.

المرحوم الرضی فی النص السابق، تکلم عن عمل الرفع لاسم الفاعل و المفعول، و عن عمل النصب لهما علی سبیل المثال فی جملة «زید ضارب عَمرا» ضارب الذی هو اسم الفاعل عمل فی عَمرو و نصبه. هو یقول لو کان لاسم الفاعل و المفعول عمل النصب حتی لا یکونا بمعنی الماضی بل بمعنی الحال أو الاستقبال أو یکونا مطلقین و لم یقیدا بحال أو استقبال فهذا الاطلاق یدل علی الاستمرار.

یجدر بالذکر ان محل بحثنا فی الآیة­ الشریفة ایضا، من هذا النوع و فی هذه الآیة، کلمة  «الجاعل» التی هی اسم فاعل عملت فی کلمة «الخلیفة» و نصبتها. الحال لو کانت العبارة مقیدة بالحال أو الاستقبال لقال تعالی: «انی جاعل فی الارض خلیفة الان» أو «انی جاعل فی الأرض خلیفة فی الاستقبال» ففی هذه الصورة،لکان اسم الفاعل فقط بمعنی الحال أو الاستقبال لکن حسب ان الکلام کان مطلقا و لم یقید بأی منهما، یدل علی الاستمرار و هذا الاستمرار أوجب ان یعمل اسم الفاعل فی کلمة الخلیفه عمل النصب. من جانب آخر علی اساس کلمات المرحوم الرضی، لم یمکن ان لا یدل اسم الفاعل علی الزمان؛ لأنه یعمل عمل النصب حینما یشبه الفعل و هذه الشباهة اما بمعنی الحال أو الاستقبال أو یکون مطلقا حتی  یدل علی الاستمرار؛ و فی غیر هذه الصور الثلاث، لم یعمل اسم الفاعل عمل النصب بناء علی هذا لم یستطیع احد ان یدعی عدم دلالة هذه الآیة من الاساس علی الزمان.

حسب ما مرّ تبین اولا: من اجل ان فی الآیة المذکورة، اسم الفاعل عمل نصبا، فلابد ان یدل علی الزمان و ثانیا: اسم الفاعل لم یقید بحال أو استقبال و هو بشکل مطلق، فیدل علی الاستمرار و یبین ان جعل الخلیفة فی الأرض یدوم و له استمرار خاص.

بعض علماء اهل السنة مثل احمد بن قاسم الصباغ المصری الّفوا رسالة­ مستقلة تحت هذا العنوان -رسالة في إسم الفاعل المراد به الإستمرار في جميع الأزمنة –و قام بدراسة دلالة اسم الفاعل علی الاستمرار اذا کان بصورة مطلقة، و نقل فیها هذه المطالب المذکورة عن المرحوم الرضی و بین دلالة اسم الفاعل علی الاستمرار.

  أحمد بن قاسم الصباغ العبادي القاهري المصري، رسالة في إسم الفاعل المراد به الإستمرار في جميع الأزمنة، دار الفرقان للنشر والتوزيع – عمان، الطبعة الأولى، 1983 م، تحقيق: د.محمد حسن عواد.

رأی السکاکی

السكاكي النحوی و الادیب من اهل السنة ایضا، یصرح فی کتاب مفتاح العلوم هکذا:

«اسم الفاعل‏: كيف كان، مفردا أو مثنى أو مجموعا جمع تكسير أو تصحيح، نكرة في جميع ذلك، أو معرفة ظاهرا أو مقدرا، مقدما أو مؤخرا، يعمل عمل فعله المبني للفاعل، إذا كان على أحد زماني ما يجري هو عليه، و هو المضارع دون المضي أو الاستمرار.»

   السكاكى، يوسف بن ابى­بكر، مفتاح العلوم، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، الطبعة: الاولی، ص 197.

دلالة اسم الفاعل المنون علی الاستمرار دائما

عفیف الدمشقیة یقول:

«ان اسم الفاعل «المنوّن» يعمل النصب دائما و أنه في اساسه غير محدّد بزمن؛ لأن فيه معنى الاستمرار.»

   الدمشقية، عفيف، خطى متعثرة على طريق تجديد النحو العربي (الأخفش - الكوفيون)، دار العلم للملايين - بيروت - لبنان، الطبعة الثانیة، ص 140. 

کما بیناه سالفا صرح فی النص المذکور بکم نکتة:

الأولی: ان اسم الفاعل المنون یعمل عمل النصب دائما؛

ثانیا: الاصل و الاساس فی مثل هذا النوع من اسم الفاعل هو انه لم یکن محددا أو مقیّدا بزمان خاص و یدل علی الاستمرار. و هذا ما ذکرناه آنفا یعنی اذا کان اسم الفاعل بشکل مطلق و لم یقید، یدل علی الاستمرار و هذا هو الاصل فی اسم الفاعل، الا ان یقید بزمان خاص الذی فی هذه الصورة، من اجل ذلک القید الخاص، یدل علی الزمان الخاص فقط. اذا تدققنا فی الآیة المذکورة «انی جاعلٌ فی الارض خلیفة» یتبین بوضوح ان اسم الفاعل فی هذه الآیة ایضا منون و لم یقید بزمان خاص و بناء علی هذا، من الیقین و علی الاصل فی اسم الفاعل، یدل علی الاستمرار فی کل الأزمنة. لابد من ذکر انه بناء علی کلمات علماء النحو، الاصل فی اسم الفاعل، الدلالة علی الاستمرار و هذا لا یحتاج الی دلیل، بل ما یحتاج الی الدلیل هو التقیید و اثبات الدلالة علی زمان خاص.

تصریح کثیر من المفسرین عند اهل السنة و الشیعة بدلالة هذه الآیة­ الشریفة علی استمرار نصب الخلیفة و الحجة لله تعالی

تفاسیر اهل السنة

1-    الآلوسی فی روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم

هو الذی من المفسرین عند اهل السنة و یعد تفسیره من التفاسیر المفصلة عند اهل السنة، یقول فی ذیل هذه الآیة­ المبارکة هکذا:

«لكن لقصور المستخلف عليه لما أنه في غاية الكدورة و الظلمة الجسمانية و ذاته تعالى في غاية التقدس و المناسبة شرط في قبول الفيض على ما جرت به العادة الإلهية فلا بد من متوسط ذي جهتي تجرد و تعلق ليستفيض من جهة و يفيض بأخرى ... و عند أهل اللّه تعالى المراد بالخليفة آدم و هو عليه السلام خليفة اللّه تعالى و أبو الخلفاء و المجلى له سبحانه و تعالى، و الجامع لصفتي جماله و جلاله، ... و به جمعت الأضداد و كملت النشأة و ظهر الحق، و لم تزل تلك الخلافة في الإنسان الكامل إلى قيام الساعة و ساعة القيام بل متى فارق هذا الإنسان العالم مات العالم لأنه الروح الذي به قوامه، فهو العماد المعنوي‏ للسماء، و الدار الدنيا جارحة من جوارح جسد العالم الذي الإنسان روحه. و لما كان هذا الاسم الجامع قابل الحضرتين بذاته صحت له الخلافة و تدبير العالم.»

سید محمود الآلوسی، روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم، ج ‏1، ص  222 - 223، دارالكتب العلميه، بيروت‏، 1415 ق، الطبعة الاولی، تحقيق: على عبدالبارى عطية.

کما هو واضح ان الآلوسی علاوة علی تبیینه لشخصیة الخلیفة الالهی و انه مظهر و محل التجلی لکل صفات الله، یصرح ان هذه الخلافة الالاهیة فی الارض تدوم الی یوم القیامة و الانسان الکامل مصداق لخلیفة الله تعالی. بناء علی هذا الآلوسی حسب هذه الآیة المبارکة یعتقد بوجود حجة و امام و خلیفة­ الهی فی کل زمان، الذی هو الانسان الکامل و یجدر بالذکر ان الآلوسی یبین دلیل هذا المطلب و یعتقد ان الانسان الکامل و خلیفة الله، هو روح العالم کله و هو عمد السماوات معنویا و لو لم یکن، لم یبقی من العالم شئ و خلیفة الله هو الذی یستحق ادارة العالم کله.

2- العارف الشهیر عند اهل السنة، محیی الدین ابن عربی

هو ایضا ذیل هذه الآیة الشریفة یصرح هکذا:

«خلق آدم عليه السلام الإنسان الكامل الأول، و الخليفة الأول، باليدين و على الصورة الإلهية: لما أراد اللّه بالإنسان الخلافة و الإمامة بدأ بإيجاد العالم، و هيأه و سواه و عدله و رتبه مملكة قائمة، فلما استعد لقبول أن يكون مأموما أنشأ اللّه جسم الإنسان الطبيعي و نفخ فيه من الروح الإلهي، فخلقه على صورته لأجل الاستخلاف، فظهر بجسمه فكان المسمى آدم فجعله في الأرض خليفة، و كان من أمره و حاله مع الملائكة ما ذكر اللّه في كتابه لنا، و جعل الإمامة في بنيه إلى يوم القيامة، فالإنسان الكامل هو المقصود الذي به عمرت الدنيا و قامت، و إذا رحل عنها زالت الدنيا، و مارت السماء، و انتثرت النجوم، و كورت الشمس، و سيرت الجبال، و عطلت العشار، و سجرت البحار، و ذهبت الدار الدنيا بآخرها، و انتقلت العمارة إلى الدار الآخرة، بانتقال الإنسان، ... و اعلم أن اللّه جمع لنشأة جسد آدم بين يديه فقال «لما خلقت بيدي» فإنه لما أراد اللّه كمال هذه النشأة الإنسانية جمع لها بين يديه، و أعطاها جميع حقائق العالم، و تجلى لها في الأسماء كلها، فحازت الصورة الإلهية، و الصورة الكونية، و جعلها روحا للعالم و جعل أصناف العالم له كالأعضاء من الجسم للروح المدبرة له، فلو فارق العالم هذا الإنسان مات العالم، فالدار الدنيا جارحة من جوارح جسد العالم الذي الإنسان روحه، فلما قابل الإنسان الحضرتين بذاته (الحضرة الإلهية و الحضرة الكونية) صحت له الخلافة، و تدبير العالم ... و أنزله خليفة عنه في أرضه، و الخليفة معلوم أنه لا يظهر إلا بصفة من استخلفه، فلا مخلوق أعظم رحمة من الإنسان الكامل الذي هو مجلى حقائق العالم، فهو آخر نوع ظهر، فأوليته حق و آخريته خلق ... .»

محیی الدین ابن العربی، رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج ‏1، ص 96، مطبعة نصر، دمشق، 1410 ق، الطبعة الاولی، تحقيق: محمود محمود غراب.‏

کما بیناه سالفا هذا الکلام لابن العربی یشتمل علی کم نکتة:

الاولی ان نبی آدم علیه السلام خلیفة الله تعالی و الامامة تبقی الی یوم القیامة فی ذریته؛

الثانیة ان خلقة الخلق و العالم کان من اجل خلفاء الله و لم لم یکونوا، لم یبقی من العالم شئ و لساخت الارض بأهلها؛

الثالثة ان خلیفة الله عنده تمام الحقائق و المعارف و تتجلی فیه اسماء الله و صفاته؛

الرابعة ان ادارة العالم کله، باذن الله تعالی تقع فی ید خلیفته؛

الخامسة حسب ان الله هو الموجود المجرد المحض، لم تستطیع المخلوقات ان ترتبط معه مباشرة و لابد ان یکون واسطة بین الناس الذی یکون من جانب الاهی و ملکوتی و من جانب مخلوق و هذا الواسطة خلیفة الله الذی یوجد فی کل فترة من الزمن.

کذلک یتبین بوضوح انه علی اساس تصریح ابن ­العربی، لم یمکن ان یکون خلیفة الله فی العالم، انسانا عادیا؛ بل له شخصیة عظیمة القدر بشکل حتی ان الله تعالی خلق الخلق من أجله و لولاه لساخت الارض بأهلها.

ابن العربی بعد ذکر هذا البحث المهم و الدقیق، یدخل فی هذا المطلب ان خلیفة الله فی کل فترة شخص واحد و لم یکن متعددا:

«الخليفة واحد: جمع الأنام على إمام واحد عين الدليل على الإله الواحد

قال اللّه عز و جل: (وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) و قال تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) و قال سبحانه: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما و قال صلّى اللّه عليه و سلم: [الخلفاء من قريش‏] و التقريش التقبض و الاجتماع، كذلك الإمام إن لم يكن متصفا بأخلاق من استخلفه جامعا لها مما يحتاج من استخلف عليهم و إلا فلا تصح خلافته، فهو الواحد المجموع.»

محیی الدین ابن العربی، رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج ‏1، ص 107، مطبعة نصر، دمشق، 1410 ق، الطبعة الاولی، تحقيق: محمود محمود غراب.‏

ابن العربی فی إستمرار هذا الفصل یتعرض الی ان الخلفاء واحدا تلو الآخر یتواجدون فی الأرض و یصرح ان خلفاء الله فی الارض یأتون واحدا بعد الآخر و فی البدایة کانوا هم الأنبیاء علیهم السلام و بعدهم، خلفاء الله فی الأرض واحدا بعد الآخر:

«تتابع الخلفاء في الأرض‏ اعلم أن اللّه تعالى لما شاء أن يجعل في أرضه خلفاء على من يعمرها من الإنس و الجان و جميع الحيوانات، و قدمهم و رشحهم للإمامة دون غيرهم من جنسهم جعل بينه و بينهم سفيرا و هو الروح الأمين، و سخر لهم ما في السموات من ملك و كوكب سابح في فلك، و ما في الأرض و ما بينهما من الخلق جميعا منه، و أباح لهم جميع ما في الأرض أن يتصرفوا فيه، و أيد هؤلاء الخلفاء بالآيات البينات ليعلم المرسلون إليهم أن هؤلاء خلفاء اللّه عليهم، و مكنهم من الحكم في رعيتهم بالأسماء الإلهية على وجه يسمى التعلق، و شرع لهم في نفوسهم شرائع، و حد لهم حدودا، و رسم لهم مراسم، ... في منزلة الرسل خلفاء من عند اللّه، ... فمن هؤلاء النواب من يكشف اللّه عنه الغطاء فيكون من أهل العين و الشهود، فيدعو إلى اللّه على بصيرة، كما دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و لولا أن الزمان اقتضى أن لا يكون مشرع بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لكان هؤلاء مشرعين، و إن لم يأتوا إلا بشرع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، ... و لا يتمكن لهذا الخليفة المشعور به و غير المشعور به أن يقوم في الخلافة إلا بعد أن يحصل معاني حروف أوائل السور سور القرآن المعجمة، مثل «ألف لا م ميم» و غيرها الواردة في أوائل بعض سور القرآن، فإذا أوقفه اللّه على حقائقها و معانيها تعينت له الخلافة، و كان أهلا للنيابة، هذا في علمه بظاهر هذه الحروف، و أما علمه بباطنها فعلى تلك المدرجة يرجع إلى الحق فيها، فيقف على أسرارها و معانيها من الاسم الباطن إلى أن يصل إلى غايتها ... و لا يكون في الزمان إلا واحدا ... و هو الذي ينفرد الحق و يخلو به دون خلقه، فإذا فارق هيكله المنور انفرد بشخص آخر لا ينفرد بشخصين في زمان واحد، و ذلك العبد عين اللّه في كل زمان، لا ينظر الحق في زمانه إلا إليه.»

محیی الدین ابن العربی، رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج ‏1، ص 107 - 108، مطبعة نصر، دمشق، 1410 ق، الطبعة الاولی، تحقيق: محمود محمود غراب.‏

 کما هو واضح ابن العربی فی هذا النص، یشیر الی کم نکتة و یصرح هکذا:

الاولی ان الله تعالی خلق الخلق و ما فی السماوات و الأرض من أجل خلفائه و اعطاهم القدرة و الاذن لادارة الأمور و التصرف فیها؛

الثانیة انه فی المرتبة الاولی، هؤلاء الخلفاء هم انبیاء الله الذین جبرئیل الامین علیه السلام واسطة بینهم و بین الله؛

الثالثة انه بعد الأنبیاء فی کل فترة لله تعالی خلیفة فی الأرض کالانبیاء اوتی العلوم و حقائق معارف الله و حتی یتمکن ان یأتی بشریعة لکن لأجل شرائط الزمان و المکان لم یوکّل بهذه الأمور؛

الرابعة انه من علائم خلافته عن الله هی انه اعطی علم الظاهر و الباطن للحروف المقطعة من القرآن و بهذا العلم اطلع علی حقائق العالم کله؛

الخامسة انه الحق یعرف بهذه الخلفاء فقط.

ملخص تصریحات ابن العربی

کما تبین محیی الدین ابن العربی، استدل بهذه الآیة الشریفة و یعتقد ان الامامة تبقی فی الارض الی یوم القیامة و کل فترة لها امام واحد و حجة و خلیفة­ فی الارض الذی هو انسان کامل و تتجلی فیه صفات الله.

3- «حقی البروسوی» فی تفسیر روح البیان

حقی البروسوی، من المفسرین عند اهل السنة ایضا، یصرح فی ذیل هذه الآیة الشریفة ان لله لکل فترة خلیفة فی الارض و به یحفظ العالم:

«اعلم ان اللّه تعالى يحفظ العالم بالخليفة كما يحفظ الخزائن بالختم و هو القطب الذي لا يكون في كل عصر الا واحدا فالبدء كان بآدم عليه السلام و الختام يكون بعيسى عليه السلام و الحكمة في الاستخلاف قصور المستخلف عليه عن قبول فيضه و تلقى امره بغير واسطة لان المفيض تعالى في غاية التنزه و التقدس و المستفيض منغمس غالبا في العلائق الدنيئة كالاكل و الشرب و غيرهما و العوائق الطبيعية كالاوصاف الذميمة فالاستفاضة منه انما تحصل بواسطة ذى جهتين اى ذى جهة التجرد وجهة التعلق و هو الخليفة أيا كان و لذا لم يستنبئ اللّه ملكا فان البشر لا يقدر على الاستفادة منه لكونه خلاف جنسه.»

اسماعیل حقی البروسوی، تفسير روح البيان، ج ‏1، ص 94، دارالفكر، بيروت، الطبعة الاولی.‏

4- المفسر الکبیر عند اهل السنة القرطبی فی تفسیر الجامع لاحکام القرآن

القرطبی من اشهر المفسرین عند اهل السنة یقول هکذا:

«الرابعة- هذه الآية أصل في نصب إمام و خليفة يسمع له و يطاع، لتجتمع به الكلمة، و تنفذ به أحكام الخليفة. و لا خلاف في وجوب ذلك بين الامة و لا بين الأئمةإلا ما روي عن الأصم‏ حيث كان عن الشريعة أصم و كذلك كل من قال بقوله و اتبعه على رأيه و  مذهبه، قال: إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك ... و دليلنا قول الله تعالى: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» [البقرة: 30] و قوله تعالى: «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ» [ص: 26] و قال: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ‏» [النور: 55] أي يجعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآيات.»

الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار الشعب – القاهرة، ج 1، ص 264.

 کما هو واضح، القرطبی باستناده الی ثلاثة آیات من القرآن الکریم یثبت ان الامامة امر واجب و لازم و علی اساس القرآن الکریم، الله تعالی هو الذی یجعل فی الارض خلیفة. فهم القرطبی من هذه الآیة المبارکة، لزوم نصب الامام و الخلیفة فی کل فترة، فهو تصریح ضمنی بدلالة الآیة علی الاستمرار. کذلک القرطبی یصرح ان الذین لا یعتقدون بلزوم الامامة، أعینهم عمیاء و لم یفهموا الشریعة.

5- ابن کثیر الدمشقی فی تفسیر القرآن العظیم

ابن کثیر الدمشقی، من العلماء المعتمدین عند اهل السنة و کذلک الوهابیة و من المفسرین المشهورین عند اهل السنة، فی تفسیره ذیل هذه الآیة الشریفة فی البدایة یذکر رأی الطبری هکذا:

«قال ابن جرير: فكان تأويل الآية على هذا إني جاعل في الأرض خليفة مني يخلفني في الحكم بالعدل بين خلقي و إن ذلك الخليفة هو آدم و من قام مقامه في طاعة اللّه و الحكم بالعدل بين خلقه، و أما الإفساد و سفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه‏ ... و قد استدل القرطبي و غيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه و يقطع تنازعهم و ينتصر لمظلومهم من ظالمهم و يقيم الحدود و يزجر عن تعاطي الفواحش إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام، و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.»

تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء، دار الفكر، بيروت، 1401، ج 1، ص 73.

ینبغی هنا تساؤلات من اخواننا اهل السنة:

هل کثیر من خلفاء اهل السنة کانوا کما یقول الطبری لم یسفکوا دماءا و لم یرتکبوا فسادا؟ هل هذا التأویل من الطبری، لم یبین ان خلفاء الله هم فی مرتبة و منزلة عالیة من المعنویة و مقام الروحانیة حتی یحکموا فی الارض بدل الرب تعالی من دون ذرة من الإفساد؟ هل یزید بن معاویة الذی حسب اعتراف علماء اهل السنة من الفاسقین و قتل سبط رسول الله صلی الله علیه و آله و سید شباب اهل الجنة علیه السلام و فی واقعة الحرة قتل جمعا کثیرا من الصحابة و التابعین و أحلّ نسائهم ثلاثة أیام و رمی بیت الله الحرام بالمنجنیق، مصداق لهذا الکلام من الطبری و هو الخلیفة الذی شخصه الله و لم یسفک الدماء و لم یرتکب الفساد ذرة؟ و لو لم یکن یزید خلیفة الله، فحسب معتقدکم من الخلیفة فی زمن یزید الذی علی اساس هذه الآیة من القرآن خلفه الله تعالی و اصطفاه؟ کذلک فی زمن بقیة الخلفاء من بني اميّة و السفاکین من خلفاء بنی العباس من الذی خلیفة الله الذی اصطفاه؟ و حسب دلالة هذه الآیة الشریفة، الان من الذی هو خلیفة الله ­فی أرضه الذی لم یرتکب الفساد و لم یسفک الدماء؟

6- الزحیلی فی تفسیر المنیر فی العقیدة و الشریعة و المنهج

هو أیضا یقول مقالة تشبه کلمات القرطبی انه یصرح هکذا:

«ثم إن هذه الآية أصل في نصب إمام حاكم و خليفة يسمع له و يطاع، لتجتمع به الكلمة، و تنفذ به أحكام الخليفة. و لا خلاف بين العلماء في وجوب ذلك، إلا ما روي عن أبي بكر الأصم من المعتزلة أنه قال: الإمامة غير واجبة في الدين، بل يسوغ ذلك ... و أدلة الجمهور: قول اللّه تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً و قوله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ‏ [ص 38/ 26] و قوله عز و جل: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ، لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ‏» [النور 24/ 55] أي يجعل منهم خلفاء.»

الزحيلى وهبة بن مصطفى، ‏التفسير المنير فى العقيدة و الشريعة و المنهج، دار الفكر المعاصر، بيروت – دمشق، 1418 ق.، ج 1، ص 129.

7- ثناء الله المظهری فی تفسیر المظهری

هذا المظهری من علماء اهل السنة یشیر الی هذا المطلب فی ذیل هذه الآیة هکذا:

«المراد بالخليفة آدم عليه السلام فانه خليفة اللّه في ارضه لاقامة أحكامه و تنفيذ قضاياه و هداية عباده و جذبهم الى اللّه و اعطائهم مراتب قربه تعالى و ذلك لا لاحتياج من اللّه تعالى الى الخليفة بل لقصور المستخلف عليهم عن قبول فيضه و تلقى امره بغير وسط- و كذلك كل نبى بعده خليفة اللّه‏.»

التفسير المظهرى‏، المظهرى محمد ثناءالله، مكتبة رشديه، باكستان، 1412 ق، الطبعة الاولی، تحقيق: غلام نبى التونسى، ج 1، ص 49.‏

 لکن المظهری لم یتکلم عن احتیاج الأمة الی الخلیفة بعد رسول الله ص، اما دلیله یبین لنا ان بعد ختم النبوة ایضا، یستمر الاحتیاج الی الخلیفة؛ و لو ان هذا الخلیفة لم یکن نبیا. دلیل هذا المطلب هو انه من الصحیح ان فی زماننا هذا لم تنزل اوامر الله و بلّغ ما تحتاجه الأمة بید النبی محمد المصطفی صلی الله علیه و آله، لکن الفیض اعم من اوامر الله و حسب تصریح المظهری، لم تتمکن البشریة تلقی الفیض الالهی مباشرة، بناء علی هذا لابد فی کل فترة من خلیفة لله تعالی حتی یصل فیض الله الی الناس. کما صرحوا الیه من قبل بعض المفسرین من اهل السنة.

8- ابن عطیة الآندلسی فی تفسیر المحرر الوجیز

هو أیضا من المفسرین فی القرن السادس عند اهل السنة، ینقل فی تفسیره عن ابن مسعود، صحابی رسول الله صلی الله علیه و آله، ان المراد من الخلافة فی هذه الآیة، الخلافة عن الله تعالی فی الحکم بین الناس.

هو بعد نقل هذا الکلام عن ابن مسعود یقول هکذا:

«قال ابن مسعود: «إنما معناه خليفة مني في الحكم بين عبادي بالحق و بأوامري يعني بذلك آدم عليه السلام و من قام مقامه بعده من ذريته.»

ابن عطیة الآندلسی، المحرر الوجیز فی تفسیر الکتاب العزیز، دارالكتب العلميه، بيروت، 1422 ق، الطبعة الاولی، تحقيق: عبدالسلام عبدالشافى محمد، ج 1، ص 117.

البتة هذا الرأی عن ابن مسعود نقله بعض من المفسرین عند اهل السنة ایضا. علی سبیل المثال الماوردی فی تفسیره باسم النکت و العیون یصرح ان رأی ابن مسعود کان هکذا.

النكت والعيون (تفسير الماوردي)، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، ج 1، ص 95.

9- المفسر الکبیر عند اهل السنة، ابن جریر الطبری فی تفسیر جامع البیان

الطبری فی تفسیر جامع البیان، یقول ذیل هذه الآیة الشریفة هکذا :

«و الخليفة الفعيلة، من قولك: خلف فلان فلانا في هذا الأَمر إذا قام مقامه فيه بعده.»

الطبرى ابو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان فى تفسير القرآن، دار المعرفه، بيروت، 1412 ق، الطبعة الاولی، ج 1، ص 156.‏

ثم الطبری یطرح الاقوال المختلفة فی معنی الخلیفة­ الالهی، و بعد نقل آراء بعض التابعین یقول:

«و يحتمل أن يكون أراد ابن زيد أن الله أخبر الملائكة أنه جاعل في الأَرض خليفة له، يحكم فيها بين خلقه بحكمه، نظير ما: حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، و عن أبي صالح، عن ابن عباس و عن مرة عن ابن مسعود، و عن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم‏: «أن الله جل ثناؤه قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالوا: ربنا و ما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأَرض و يتحاسدون و يقتل بعضهم بعضا.» فكان تأويل الآية على هذه الرواية التي ذكرناها عن ابن مسعود و ابن عباس: إني جاعل في الأَرض خليفة مني يخلفني في الحكم بين خلقي و ذلك الخليفة هو آدم و من قام مقامه في طاعة الله و الحكم بالعدل بين خلقه و أما الإِفساد و سفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه، و من غير آدم و من قام مقامه في عباد الله؛ لأَنهما أخبرا أن الله جل ثناؤه قال لملائكته إذ سألوه: ما ذاك الخليفة: إنه خليفة يكون له ذرية يفسدون في الأَرض و يتحاسدون و يقتل بعضهم بعضا. فأضاف الإِفساد و سفك الدماء بغير حقها إلى ذرية خليفته دونه و أخرج منه خليفته.»

10- نعمت الله النخجوانی فی الفواتح الالهیة

هو أیضا من أهم المفسرین عند اهل السنة فی القرن العاشر من الهجرة، و لو انه لم یتعرض الی دلالة هذه الآیة علی الاستمرار، لکن یصرح هکذا:

«جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ‏ اى العالم السفلى‏ خَلِيفَةً مرآة مجلوة عن صدأ الإمكان و رين التعلق لاتجلى فيها بجميع أوصافي و أسمائي ليصلح خليفتي هذا مفاسد عموم عبادي و يحسن أخلاقهم نيابة عنى ... ‏.»

نعمت الله بن محمد النخجوانی، الفواتح الالهیة و المفاتح الغیبیة، دار ركابى للنشر، مصر،  1999 م، الطبعة الاولی، ج 1، ص 27.‏

کما هو واضح لابد من الدقة فی انه و لو النخجوانی لم یصرح باستمرار وجود خلیفة الله فی الأرض لکن استدلاله یشمل کل الازمنة؛ لأنه حینما یعیش الانسان علی وجه الارض فیحتاج الی شخص لم یکن فیه أیة مفسدة و یکون مصداقا لصفات الکمال الالهیة و هو الانسان الکامل، یصلح مفاسد العباد و یحسن اخلاقهم و هذا الاستدلال لم یختص بما مضی و یجری فی کل فترة و حسب المدّ المتزاید فی عدم التقید و عدم الاخلاق، فالاولویة اکثر بالنسبة الی زمن الانبیاء علیه السلام ایضا و یجدر بالذکر ان توصیف النخجوانی من خلیفة الله، یتحد مع رأی الشیعة فی هذا المجال انه یعتقد خلیفة الله لابد ان یکون انسانا کاملا و تتجلی فیه اسماء الله و صفاته.

المطلب الثانی انه علی اساس تصریح النخجوانی، خلیفة الله هو الذی لم یتورط فی ظلمات عالم الامکان و لم یتخبط فی التعلقات و مصداق لتمام اسماء الله و صفاته. ظلمات عالم الامکان تشمل کل انواع الخطأ، السهو، الذنب، الشرک و ... و لیس لخلیفة الله أن یرتکب أی منها و هو بمعنی ان خلیفة الله لابد ان یکون معصوما و الا اذا یخطأ فهو متورط فی عالم المادی. من جانب آخر حسب تصریح النخجوانی، خلیفة الله، مصداق لتمام اسماء الله و صفاته و تتجلی فیه تمام صفات الله المتعال، و من الواضح انه من أهم­ صفات الله ان لا یرتکب الخطأ و السهو و هذه الصفة من صفات الله و حسب قول النخجوانی لابد ان تتجلی فی خلیفة الله و هذا معنی العصمة و لابد من الالتفات الی ان العصمة و تجلّی صفات الله فی شخص، امر باطنی و لم یعلم به الا الله تعالی.

بین علماء اهل السنة فخر الرازي ایضا یصرح بهذا المطلب:

11- فخر الرازي فی كتاب المطالب العالية

فخر الرازی حول العصمة و الامام المهدي عجل الله تعالي فرجه الشريف یقول هکذا:

ثم إن ذلك الإنسان الواحد هو أكمل الأشخاص الموجودين في ذلك الدور كان المقصود الأصلي من هذا العالم العنصري، هو وجود ذلك الشخص. ولا شك أن المقصود بالذات هو الكامل....[فثبت: أن ذلك الشخص هو الكامل وثبت: أن ذلك الشخص] هو القطب لهذا العالم العنصري، و ما سواه فكتبع له وجماعة من الشيعة الامامية يسمونه بالامام المعصوم. وقد یسمونه بصاحب الزمان ویقولون بأنه غائب. ولقد صدقوا فی الوصفین ایضا لأنه لما کان خالیا عن النقائص التی هی حاصلة فی غیره کان معصوما من تلک النقائص وهو ایضا صاحب الزمان.

فخر الرازي، المطالب العالیة، محقق: احمد حجازي السقاء، ناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، ج 8 ص 106.

رأی المفسرین عند الشیعة

اما المفسرون عند الشیعة ایضا، فی ذیل هذه الآیة ذکروا ان الآیة تبین ان الله تعالی بشکل مستمر یجعل علی وجه الارض خلفاء هم حجج الله و یحکمون بالحق و العدالة فی الارض و خلیفته و الواسطة فی ایصال الفیض الی الناس. هذا المطلب یوجد فی الروایات التی تنقلها الشیعة ذیل هذه الآیة. علی سبیل المثال ننقل کلام شخصین من المفسرین عند الشیعة:

1-     آیت الله مکارم الشیرازی فی تفسیر الأمثل

هو یقول فی هذا المجال هکذا:

و بهذه المناسبة تقول الآية الاولى: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً،

و الخليفة هو النائب عن الغير. أما هذا الغير الذي ينوب الإنسان عنه فاختلفت فيه أقوال المفسرين ....

منهم من قال إنه خليفة الملائكة الذين كانوا يسكنون من قبل على ظهر الأرض. و منهم من قال إنه خليفة بشر آخرين أو موجودات اخرى كانت تعيش قبل ذلك على الأرض.

و ذهب بعضهم إلى أن الخليفة إشارة إلى أن كل جيل من البشر يخلف الجيل السابق.

و الحق أن المقصود بالخليفة هو خليفة اللّه و نائبه على ظهر الأرض، كما ذهب إلى ذلك كثير من المحققين، لأن سؤال الملائكة بشأن هذا الموجود الذي قد يفسد في الأرض و يسفك الدماء يتناسب مع هذا المعنى، لأن نيابة اللّه في الأرض لا تتناسب مع الفساد و سفك الدماء.

مسألة «تعليم الأسماء» لآدم التي سيأتي شرحها، و هكذا سجود الملائكة لآدم من أدلة ما ذهبنا إليه في تفسير معنى الخليفة.

الإمام جعفر بن محمّد الصّادق عليه السّلام يشير أيضا إلى هذا المعنى في تفسير هذه الآيات إذ يقول: «إنّ اللّه عزّ و جلّ علّم آدم أسماء حججه كلّها ثمّ عرضهم و هم أرواح على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين بأنّكم أحقّ بالخلافة في الأرض لتسبيحكم و تقديسكم من آدم فقالوا سبحانك لا علم لنا إلّا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم قال اللّه تبارك و تعالى يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبئهم بأسمائهم وقفوا على عظيم منزلتهم عند اللّه عزّ ذكره فعلموا أنّهم أحقّ بأن يكونوا خلفاء اللّه في أرضه و حججه على بريّته ثمّ غيّبهم عن أبصارهم و استعبدهم بولايتهم و محبّتهم و قال لهم ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السّموات و الأرض و أعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون».

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏1، ص: 156آیت الله مکارم الشیرازی، تفسير الأمثل، ناشر: مدرسة الامام على بن ابى طالب .مكان المطبعة: قم. سنة الطبعة: 1421 ق .الطبعة الاولی.

2-     القمی المشهدی فی تفسیر کنز الدقائق و بحر الغرائب

هو الذی من المفسرین فی القرن الثانی عشر من الشیعة، یبین بصراحة ان المراد من الخلافة فی هذه الآیة خلافة الله، و ان الله المتعال لم یحتاج الی خلیفة و علة احتیاج الناس الی الخلیفة هی نقصان و قصور الناس و المخلوقات فی قبول الفیض الالهی و من اجل هذا الدلیل نحتاج الی وجود الخلیفة و الحجة لله تعالی و کما هو واضح، فلم ینحصر هذا بزمن خاص و فی کل فترة البشریة من اجل انها مادیة و ... تحتاج الی واسطة من قبل الله فی ایصال الفیض الی الناس:

«و الاحتياج الى الخليفة، انما هو في جانب المستخلف‏ عليه، لقصورهم عن قبول فيضه، بغير وسط. و لذلك لم يستنبئ ملكا.»

تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب، القمى المشهدى محمد بن محمدرضا، انتشارات وزارة الارشاد الاسلامىة، طهران، 1368 ش‏، الطبعة الاولی، تحقيق: حسين درگاهى، ج 1، ص 321.

النتيجة

قد تبین من خلال المطالب المذکورة بوضوح ان نصب الخليفة و اصطفاءه فی الارض علی الله المتعال و لابد ان یکون الخلیفة بنصب من الله المتعال و هذا من الصفات التی تعتبره الشیعة للإمام و الخلیفة­ الالهی فی کل فترة و زمان و ان تخلوا الارض من وجوده لساخت الارض باهلها علاوة علی ان الشخص هو خلیفة الله علی وجه الارض فلابد ان یکون معصوما و الله هو الذی یعلم من الذی معصوم مطلق و مصداق لکل صفاته. 



و من الله التوفیق

فریق الإجابة عن الشبهات

مؤسسة الإمام ولي العصر (عج) للدراسات العلمیة

 



Share
* الاسم:
* البرید الکترونی:
* نص الرأی :
* رقم السری:
  

أحدث العناوین
الاکثر مناقشة
الاکثر مشاهدة